صديق الحسيني القنوجي البخاري
89
فتح البيان في مقاصد القرآن
أنزل إليكم من أخبار الأمم الماضية ، ومثله قوله تعالى : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [ الزمر : 18 ] وقيل القرآن أو المأمور به دون المنهي عنه أو العزائم دون الرخص ، ولعله ما هو أنجى وأسلم ، كالإنابة والمواظبة على الطاعة . مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أي من قبل أن يفاجئكم العذاب وأنتم غافلون عنه لا تشعرون به ، وقيل : أراد أنهم يموتون بغتة فيقعون في العذاب ، والأول أولى ، لأن الذي يأتيهم بغتة هو العذاب في الدنيا بالقتل والأسر ، والخوف والقهر ، والجدب لا عذاب الآخرة ولا الموت لأنه لم يسند الإتيان إليه . أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ قال البصريون : أي حذر أن تقول : وقال الكوفيون أي لئلا تقول ، قال المبرد : بادروا خوف أن تقول أو حذرا من أن تقول ، وقدره الزمخشري كراهة أن تقول ، وابن عطية : وأنيبوا من أجل أن تقول وأبو البقاء والحوفي : أنذرناكم مخافة أن تقول قال الحلبي : عقب نقل بعض هذه التقادير : ولا حاجة إلى إضمار هذا العامل مع وجود أنيبوا ونكر ( نفس ) لأن المراد بها بعض الأنفس وهي النفس الكافرة المتميزة باللجاج الشديد في الكفر ، أو بالعذاب الأليم . وقيل : المراد به التكثير كما في قوله : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ [ التكوير : 14 ] أي نفوس كثيرة ، وهم الكفار والعصاة المؤمنون . وقال الزجاج خوف أن تصيروا إلى حال تقولون فيها : يا حَسْرَتى قرأ الجمهور يا حسرتا بالألف بدلا من الياء المضاف إليها ، وقرأ ابن كثير يا حسرتاه بهاء السكت . وقفا . وقرأ أبو جعفر : يا حسرتي بالياء على الأصل ، والحسرة الندامة ، والاغتمام والحزن على ما فات عَلى ما فَرَّطْتُ أي على تفريطي وتقصيري فما مصدرية فِي جَنْبِ اللَّهِ أي طاعته قاله الحسن . والجنب والجانب كلاهما بمعنى جهة الشيء المحسوسة ، وإطلاق الجنب على الطاعة مجاز بالاستعارة حيث شبهت بالجهة بجامع تعلق كل بصاحبه ، فالطاعة لها تعلق باللّه ، كما أن الجهة لها تعلق بصاحبها ، وقال الضحاك : في ذكر اللّه ويعني به القرآن والعمل به وقال أبو عبيدة ، في ثواب اللّه ، وقيل : في حق اللّه أو في أمر اللّه أو في ذات اللّه . وقال الفراء : الجنب القرب والجوار أي في قرب اللّه وجواره ، ومنه قوله : وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ [ النساء : 36 ] والمعنى على هذا القول على ما فرطت في طلب جواره وقربه وهو الجنة ، وبه قال ابن الأعربي . وقال الزجاج : أي في الطريق الذي هو طريق اللّه من توحيده والإقرار بنبوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعلى هذا فالجنب بمعنى الجانب ، أي قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضا اللّه ، يقال أنا في جنب فلان وفلان لين الجانب والجنب ثم قالوا : فرط